صديق الحسيني القنوجي البخاري

149

أبجد العلوم

« واعلم أن المطالعة علم يعرف به مراد المحرر بتحريره وغايته الفوز بمراده حقا والسلامة عن الخطأ والتخطئة باطلا . وموضوعه المحرر من حيث هو . فإذا أردت الشروع في المطالعة ، وهو صرف الفكر في مبحث ليتجلى معناه فانظر وتأمل في المبحث مبتدئا من أوله منتهيا إلى آخره نظرا إجماليا . لكن ينبغي أن يكون ذلك النظر على وجه ينتقش في ذهنك جملة المعنى المراد منه ، فإن انتقش في النظر الأول فذاك ، وإلا فذلك إما لخفاء في اللغة ، أو لغلط ، أو لسهو ، أو لنسيان من الناسخ بحذف أو زيادة أو قلب أو تصحيف ، أو لتعقيد ، أو لقصور فيك فراجع في الأول إلى كتب اللغة أو إلى من عنده علمها ، وفي الثاني والثالث والرابع إلى نسخة أصح منها ، وأما في الأخيرين فانظر نظرا ثانيا أو ثالثا فصاعدا حتى ينتقش المراد . ثم بعد الانتقاش لاحظ الأمور التصورية « 1 » من كل قضية منه أولا فأولا على الترتيب بدقة النظر في تلك الملاحظة ، واستبصر في كل من تلك الأمور هل يرد على واحد منها أمر من الأمور القادحة فيها أم لا ، والمراد بالورود هاهنا التوجه الذي هو أعم منه . وبعد ظهور ذلك الأمر من القوادح استبصر ثانيا هل يمكن دفع ذلك الأمر منها أم لا . وبعد ظهور الدافع ثالثا هل يمكن دفع ما يدفع ذلك الدافع أم لا . وهكذا إلى حيث يتوطن الذهن ، وآية التوطن الاختبار بتثنية النظر وتثليثه فصاعدا على حسب المقام . وبعد الفراغ من تلك الملاحظة لاحظ الأمور التصديقية « 2 » أيضا بدقة النظر ، واستبصر في كل منها هل يتوجه على واحد منها شيء من الأشياء التي يقدح فيها أم لا . وبعد ظهور شيء من القوادح استبصر ثانيا هل يسوغ ويمكن التقصي عنها أم لا . وبعد ظهور التقصي عنها ثالثا هل يمكن التقصي عن ذلك التقصي أم لا . وهكذا إلى حيث يحصل التوطن وآيته هاهنا آيته هناك . وبعد الفراغ عن تينك الملاحظتين لاحظ الأمور القادحة الموردة التي أوردها عليها مورد سواء كانت محررة في شرح أو حاشية أو لا . والغرض من هذه الملاحظة أن يظهر لك هل هي متوجهة كما هو في زعم المورد أم لا . فإن ظهرت غير متوجهة أصلا فلا تلتفت إليها إلا أن يكون المورد عظيم الشأن معتقد الكل أو الأكثر ، فهناك القصور فيك لا فيه ، فتوقف حينئذ واختبر نظرك بتكريره مرة بعد أخرى ، ثم بالمطارحة مع الأقران ، ثم بالعرض على المشايخ والأستاذين . فإن أزاحوا شبهتك فذاك وإلا فالتسليم والإحالة إلى وقت فتحه تعالى ، وإلا فاستبصر في دفعها هل هو ممكن أو لا . وبعد ظهور الدافع يمكن دفع ما يدفعه أم لا ،

--> ( 1 ) التصور : هو إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات . انظر التعريفات للشريف الجرجاني ( ص 59 ) طبعة دار الكتب العلمية . ( 2 ) التصديق : هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر ( التعريفات : ص 59 ) .